التعنيف الاسري

التعنيف الأُسري

 

Naw1

الأسرة هي نواة المجتمع، وصلاحها أساس صلاح الأجيال وتقدم الحياة الاجتماعية برمتها. ومنذ تأسيس المملكة العربية السعودية، وهي تضع رفاه الأسرة واستقرارها في صدارة أولوياتها، انطلاقاً من تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة التي جعلت الرحمة والمودة والتكافل أساس العلاقات بين أفراد البيت الواحد. غير أن الواقع كشف عن وجود ممارسات سلبية تُرتكب خلف أبواب البيوت، وتُواجه بصمت وخوف، مما استدعى تدخلاً تشريعياً حازماً يضع حدوداً واضحة، ويقرر عقوبات رادعة، ويفتح قنوات آمنة لكل من يتعرض لأذى لينصفه القانون

لم يعد مفهوم التعنيف الأسري في القانون السعودي مقتصراً على الضرب أو الإصابات الجسدية التي تترك أثراً واضحاً على الجسد؛ بل وسّع المشرع دائرة الحماية ليشمل كل ما يلحق بالإنسان أذىً داخل نطاق أسرته. ويعرّف نظام الحماية من الإيذاء الصادر عام 1434هـ الإيذاء بأنه: كل شكل من أشكال الاستغلال أو إساءة المعاملة الجسدية أو النفسية أو الجنسية، أو التهديد بها، يرتكبه شخص تجاه آخر تربطه به علاقة أسرية أو ولاية أو مسؤولية أو إعالة.
ويشمل هذا التعريف الشامل أنواعاً متعددة من الإساءة قد لا يُدرك كثيرون أنها تُعد جريمة يعاقب عليها القانون:
  • العنف الجسدي: كل فعل يُلحق ضرراً ببدن الإنسان، كالضرب، الدفع، الحرمان من الطعام أو الرعاية الطبية، أو أي فعل آخر يُحدث أذىً جسدياً مهما كان بسيطاً.
  • العنف النفسي واللفظي: الإهانة، التحقير، الشتم المستمر، التهديد بالقتل أو بالضرر، العزل عن الأهل والأصدقاء، أو خلق جو من الرعب والخوف الدائم. وهذا النوع قد يكون أشدّ وطأة وأطول أثراً من الأذى الجسدي، ولهذا قرر النظام معاقبته تماماً كالاعتداء البدني.
  • العنف الاقتصادي: مثل منع النفقة الواجبة، حجز الأوراق الرسمية، منع العمل دون سبب مشروع، أو الاستيلاء على أموال الضحية وممتلكاته بغير رضاه.
  • الإهمال: وهو الامتناع عن أداء الواجبات الأساسية تجاه من يلزمه إعالته ورعايته، كالامتناع عن إرسال الطفل إلى المدرسة، أو حرمان المريض أو المسن من الرعاية والدواء والغذاء والسكن اللائق.
  • الإساءة الجنسية: كل فعل أو تهديد ذي طبيعة جنسية يُفرض على شخص لا يريد أو لا يستطيع الممانعة، وهو من أشدّ الصور وأكثرها خطورة.
المهم أن تعرفه أن النظام لا يشترط تكرار الفعل لكي يُعد جريمة؛ فمرة واحدة تكفي لقيام المسؤولية القانونية، ولا يُشترط أن يظهر في الضحية ندوب أو كسور؛ فالأذى النفسي والتهديد والإهمال كلها صور واضحة يُعاقب عليها القانون
نصت المادة الثالثة عشرة من نظام الحماية من الإيذاء على العقوبة الأصلية لكل من ارتكب فعلاً من أفعال الإيذاء، فقررت: السجن مدة لا تقل عن شهر، ولا تزيد على سنة، وغرامة مالية لا تقل عن خمسة آلاف ريال، ولا تزيد على خمسين ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
بمعنى أن القاضي يملك صلاحية الحكم بالسجن وحده، أو الغرامة وحدها، أو الجمع بينهما، وذلك بحسب ما يراه مناسباً لجسامة الفعل وآثاره، وموقف الجاني ومدى خطورة سلوكه. وهذه العقوبة تطبق في الحالات الاعتيادية التي لا تنطوي على ظروف مشددة، كأن يكون الفعل بسيطاً، ولم يُحدث ضرراً بالغاً، ولم يُرتكب بحق فئة ضعيفة أو يتكرر صدوره من الجاني.
وينبغي ألا يُفهم من هذا أن العقوبة خفيفة أو يمكن التغاضي عنها؛ فالسجن شهراً واحداً وتسجيل الجريمة في سجله الجنائي يُعدّ أثراً بالغاً في حياة أي إنسان، ويؤثر على مستقبله الوظيفي والاجتماعي، وهو ما يجعل العقوبة رادعة ومؤثرة حقاً
أدرك المشرع أن بعض الحالات تستوجب عقوبة أشد وأقوى، إما لطبيعة الضحية ومكانته أو لقسوة الفعل وتكراره، فقرر تشديد العقوبة لتصل إلى السجن من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من خمسين ألفاً إلى ثلاثمائة ألف ريال، أو إحدى العقوبتين، وذلك متى توفر أحد الظروف الآتية:
  • أن يكون الضحية طفلاً أو امرأة أو من ذوي الإعاقة أو ممن تجاوزوا الستين عاماً أو أحد الوالدين؛ فهؤلاء من الفئات التي فرض النظام حماية خاصة لضعفها أو لوجوب برّها ورعايتها.
  • أن يقع الإيذاء من شخص له سلطة ولاية أو مسؤولية على الضحية، كالوالد على ولده، أو الزوج على زوجته، أو الوصي على من تحت وصايته؛ حيث تُعدّ إساءة استعمال السلطة جريمة مزدوجة الأذى.
  • تكرار الفعل أو استمراره، أو أن يُرتكب بأسلوب ممنهج ومتواصل.
  • أن ينتج عن الفعل أذىً بالغ أو إصابات خطيرة تتطلب علاجاً طويلاً، أو تؤثر على قدرة الضحية ومستقبله.
  • استخدام سلاح أو أداة أو وسيلة تزيد من خطورة الفعل وأذاه.
  • أن يقع الإيذاء على امرأة حامل وينتج عنه سقوط حملها أو ضرر يصيبها أو يصيب جنينها.
كما تُضاعف العقوبة في حال عودة الجاني لارتكاب الفعل صدر حكم نهائي بإدانته، ليزداد الردع وتتضاعف المسؤولية. وإلى جانب العقوبات السالبة للحرية والغرامات المالية، يجوز للمحكمة أن تُصدر أوامر حماية تُكمّل العقوبة وتحمي الضحية، كمنع الجاني من الاقتراب من الضحية أو منع دخوله مسكن الزوجية أو الاقتراب من أماكن عمله أو دراسته، مع تحديد مسافات ومدد زمنية لهذه الأوامر. وقد تُضمّن الأحكام وجوب خضوع الجاني لبرامج تأهيل أو علاج نفسي أو دورات توعية أسرية لضمان عدم تكرار السلوك مستقبلاً
معرفة العقوبات وحدها لا تكفي ما لم يعِ كل فرد ما له من حقوق وما هي الخطوات العملية التي ينبغي له اتخاذها حين يتعرض هو أو من يعوله لأذى. ومن أهم الحقوق التي كفلها النظام لكل ضحية: الحق في تقديم بلاغ سريّ دون خوف من انتقام، والحق في الحصول على مساعدة طبية ونفسية، والحق في السكن والحماية في مراكز الإيواء التابعة للوزارة عند تعذر العودة للمسكن، والحق في طلب أوامر حماية فورية تُبعده عنه المُعتدي.
وعند وقوع أي شكل من أشكال التعنيف، يُنصح باتخاذ الخطوات التالية:
أولاً: لا تُكمّم فمك ولا تُواري الحقيقة. الصمت هو ما يُشجّع المُعتدي على الاستمرار، والقانون قد وفّر قنوات آمنة ومحمية للتبليغ، أبرزها الاتصال على الرقم المجاني الموحد 1919، وهو رقم مخصص لبلاغات الحماية الأسرية، يتلقّاه فريق متخصص، ويُتعامل معه بسرية تامة وسرعة في الإجراء. كما يمكن تقديم البلاغ عبر منصة أبشر الرقمية، أو التوجه مباشرة إلى أقرب مركز شرطة أو مركز حماية أسري، أو عبر مراكز الخدمة في مناطق المملكة المختلفة.
ثانياً: احتفظ بكل ما يثبت واقعة الإيذاء. التقارير الطبية من المستشفيات والمراكز الصحية هي أقوى الأدلة، فلا تتردد في زيارة الطبيب عند تعرضك لأي أذى جسدي لكتابة تقرير يوضح نوع الإصابة ومداها. كما تُفيد في الإثبات الرسائل الصوتية والنصية، الصور، تسجيلات الأصوات، شهادات من شهدوا الواقعة، وكل ما يعزز موقفك أمام الجهات المختصة.
ثالثاً: اطلب أوامر الحماية فوراً. يمنح النظام الضحية الحق في أن يطلب من المحكمة المختصة أو من الجهات المعنية إصدار أمر حماية مؤقت يُبعد المُعتدي عنه ويُلزمه بعدم الاقتراب أو التواصل، ويمكن الحصول عليه بسرعة دون إجراءات طويلة، ويظل سارياً حتى البت في القضية.
رابعاً: استعن بمن يُعينك قانونياً. لا تُجابه الإجراءات وحدك؛ فالقانون يمنحك حق الحصول على مساعدة قانونية، ويمكنك اللجوء إلى من يُرشدك خطوة بخطوة ويُقدّم طلباتك ومرافعتك أمام المحاكم. وهنا يبرز دور الخبرة القانونية في اختيار المسار الصحيح وصياغة الطلبات وتقديم الأدلة بالشكل الذي يُعجّل بتحقيق العدالة
تُعدّ جرائم الإيذاء بحق الأطفال وكبار السن من أكثر الصور إثارة للقلق، ولذلك خصّها النظام باهتمام بالغ وعقوبات أشدّ. فإذا كان الضحية طفلاً لم يبلغ سن الرشد، تُطبّق أحكام نظام حماية الطفل إلى جانب نظام الحماية من الإيذاء، مما يعني تشديداً إضافياً في العقوبة قد يصل في بعض الحالات إلى السجن خمس سنوات وغرامات تصل إلى 300 ألف ريال، بل وتتجاوز ذلك في صور الإساءة الجسيمة والاستغلال.
ويُعدّ الإهمال في حق الطفل جريمة قائمة بذاتها؛ فحرمانه من التعليم أو الغذاء أو الرعاية الصحية أو السكن الملائم يُعاقب القانون عليه سواء ترافق معه عنف جسدي أم لا. وكذلك الحال مع كبار السن ومن تجاوزوا الستين عاماً أو من لديهم إعاقة؛ ففرض النظام لهم حماية خاصة يعني أن أي اعتداء أو إهمال أو استغلال لأموالهم يُعامل كجريمة ذات ظروف مشددة تُضاعف العقوبة وتُعجّل بالإجراءات.

كثيراً ما تُثار تساؤلات حول مدى انطباق هذه الأحكام وحدود تطبيقها، ومن أبرز ما يُسأل عنه:

أسئلة وأجوبة

هل يُقبل البلاغ من غير الضحية؟

 نعم. يُقرّ النظام بحق أي شخص في أن يُبلّغ عن واقعة إيذاء شاهدها أو علم بها، وتُتعامل الجهات المختصة مع البلاغ بسرية تامة، ولا يُفصح عن اسم المُبلّغ إلا بإذنه. فالمسؤولية الاجتماعية تقتضي على كل من يرى ظلماً أن يُساهم في كشفه وإنصاف المظلوم.

هل يُشترط استمرار العنف وتكراره؟

لا. واقعة واحدة تُشكّل إيذاءً تكفي لقيام الجريمة ووجوب المعاقبة عليها، سواء تكررت أم لم تتكرر. وإن كان التكرار يُعدّ ظرفاً مشدداً يُوجب عقوبة أقوى.

هل يمكن الصلح أو التنازل عن الدعوى؟

الدعوى في جرائم التعنيف الأسري ليست حقاً شخصياً للضحية يملك التنازل عنه متى شاء؛ بل هي دعوى حقوق عامة تُقام باسم المجتمع، مما يعني أن تنازل الضحية أو صفحه لا يوقف سير الدعوى ولا يُلغي مسؤولية الجاني، وإن كان للمحكمة أن تأخذ الصلح والتنازل كظرف يُخفف به العقوبة في حدود ما يسمح به النظام.

هل يحق للضحية طلب الطلاق أو فسخ النكاح؟

 نعم. يُعدّ التعنيف الأسري سواء أكان جسدياً أم نفسياً سبباً وجيهاً لطلب الطلاق أو فسخ النكاح أمام محكمة الأحوال الشخصية، مع حق الضحية في المطالبة بالتعويض عما لحقه من ضرر، واستكمال حقوقه كالنفقة والسكن وأجرة الحضانة وغيرها. وكلما توفرت الأدلة الواضحة كالتقارير الطبية وأوامر الحماية والشهادات، سهل ذلك على المحكمة البتّ في الدعوى وتسريع الإجراءات.

لا تسمح للخوف بأن يسلبك حريتك. تواصل معنا الآن لتحصل على حماية قانونية فورية.

لا تتردد في التواصل معنا للحصول على استشارة قانونية

التعليقات معطلة